الأحد، 9 مارس 2008

معجزة الإسراء

معجزة الإسراء ثابتةٌ بنص القرءان والحديث الصحيح ، فيجب الإيمان بأن الله أسرى بالنبي r ليلاً من مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى ، وقد أجمع أهل الحق من سلف وخلف ومحدثين ومتكلمين ومفسرين وعلماء وفقهاء على أنّ الإسراء كان بالجسد والروح .

قال الله تبارك وتعال:( سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ ليلاً من المسجدِ الحرامِ إلى المسجِد الأقصى الذي باركنا حَولَهُ لِنُرِيَهُ من ءاياتِنَا إنّهُ هوَ السميع البصير) (سورة الإسراء /1 )

في بيتِ أُمِّ هانِئ ـ وهي شقيقَةُ عليّ بنِ أبي طالبٍ رضِيَ الله عنهُ ـ كانَ الرسولُ نائمًا مع عمِّهِ حمزةَ وابنِ عمِّهِ جعفرٍ رضي الله عنهما، هناكَ شُقَّ صدرُهُ شَقًّا حقيقيًّا، ولكنْ لم تحصُلْ لديهِ ءالامٌ كالتي تحصُلُ لمن تُجرى لهُ العمليَّاتُ الجراحيَّةُ عادةً، غُسِلَ قلبُهُ ومُلئ حكمةً وإيمانًا حتى يتهيأ لمشاهدةِ عجائبِ خلْقِ الله بقلْبٍ قويٍّ، وكانَ قد شُقَّ صدرُهُ قبلَ ذلكَ حينَ كانَ ابنَ سنتينِ، وعندَ البعثِ في أوَّلِ نزولِ الوحيِ عليهِ وكانَ عُمُرهُ إذْ ذاك أربعينَ عامًا، من بيتِ أُمِّ هانئ من مكةَ المكرَّمةِ، من المسجدِ الحرامِ أركَبَهُ سيدنا جبريلُ البُراقَ وهو دابَّةٌ من دواب الجنَّةِ، يضَعُ حافِرَهُ عندَ منتهى طرْفِهِ، فركبَ النبيُّ خلْفَ جبريلَ، ومَرَّ بالمدينةِ المنوَّرةِ قبلَ أنْ يُهاجر إليها، فنَزَلَ وصلَّى ركعتينِ، ثمَّ مرَّ بمدينةِ مدْيَنَ مدينةِ النبيّ شُعيبٍ عليهِ السلام، فنَزَلَ وصلَّى ركعتينِ، ثمَّ بطورِ سيناءَ فنَزَلَ وصلَّى ركعتين، ثم ببيتِ لحمٍ حيثُ وُلِدَ سيدنا عيسى عليهِ السلام فنَزلَ وصلَّى ركعتين، ثم وصلَ إلى بيتِ المقدسِ الذي بناه أولُ البشرِ وأول الأنبياءِ والرسلِ سيدُنا ءادمُ عليه السلامُ بعدَما بنى الكعبةَ بأربعينَ عامًا، فربطَ النبيُّ البُراقَ بالحلْقةِ التي يربطُ بها الأنبياءُ، ثم دخلَ وقد جمعَ الله لهُ جميعَ الأنبياءِ من ءادمَ فَمَنْ بعدَهُ تشريفًا لهُ وتعظيمًا، فقدَّمَهُ جبريلُ ليُصلّيَ بهم إمامًا، حتى عيسى عليهِ السلامُ الذي كانَ في السماءِ بعدُ لم يمُتْ أنزلَهُ الله، وقد أخذَ الله العهدَ على كلِّ نبيٍّ أنَّهُ إنْ بُعِثَ محمَّدٌ وهو حيٌّ لَيؤمِنَنَّ بهِ ولينصرنَّهُ، وقد أمرَ كلُّ نبيٍّ قومَهُ بمُقتضى ذلكَ العهدِ، فكانَ كلُّ نبيٍّ يعرفُ محمَّدًا من غيرِ أنْ يراهُ.



ثم خرجَ من الأقصى فجاءَهُ جبريلُ عليهِ السلامُ بإناءٍ من لبنٍ و إناءٍ من خمرٍ ليسَ خمرَ الدنيا المسكِرَ النجِسَ، وإنما خمرَ الجنةِ الطاهرَ الذي لا يُسكر، أتاهُ بإناءٍ من خمرٍ وإناءٍ من لبنٍ أي حليبٍ، فاختارَ النبيُّ اللبنَ، فقالَ لهُ جبريلُ: اخترتَ الفطرةَ، أي اخترتَ الدينَ، اخترتَ الإسلامَ.

هذا موجزٌ عن قصَّةِ الإسراءِ، تعالَوا معي لأحدِّثكم عن بعضِ ما رأى في إسرائهِ،

من عجائب ما رأى الرسول في إسرائه:



1_ الدنيا : رءاها بصورة عجوز .



2_ إبليس : رءاه متنحياً عن الطريق .



3_ قبر ماشطة بنت فرعون وشمَّ منه رائحة طيبة .



4_ المجاهدون في سبيل الله : رءاهم بصورة قوم يزرعون ويحصدون في يومين .



5_ خطباء الفتنة : رءاهم بصورة أناس تُقْرَضُ ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من نار.



6_ الذي يتكلم بالكلمة الفاسدة: رءاه بصورة ثور يخرج من منفذ ضيق ثم يريد أن يعود فلا يستطيع .



7_ الذين لا يؤدّون الزكاة :رءاهم بصورة أناس يَسْرَحون كالأنعام على عوراتهم رقاع .



8 _ تاركو الصلاة : رأى قوماً ترضخ رءوسهم ثم تعود كما كانت ، فقال جبريل : هؤلاء الذين تثاقلت رءوسهم عن تأدية الصلاة .



9_ الزناة : رءاهم بصورة أناس يتنافسون على اللحم المنتن ويتركون الجيد .



10 شاربو الخمر: رءاهم بصورة أناس يشربون من الصديد الخارج من الزناة .



11_الذين يمشون بالغيبة : رءاهم بصورة قوم يخمشون وجوههم وصدورهم بأظفار نحاسية .



أما المعراج فهو ثابت بنص الأحاديث الصحيحة ، أما القرءان فلم ينص عليه نصاً صريحا. من عجائب ما رأى الرسول في المعراج وحصل له:



1_ مالك خازن النار: ولم يضحك في وجه رسول الله .فسأل جبريل لماذا لم يرهُ ضاحكاً إليه كغيره . فقال: إن مالكاً لم يضحك منذ خلقه الله تعالى ، ولو ضحك لأحد لضحك إليك.



2_ البيت المعمور : وهو بيت مشرف في السماء السابعة وهو لأهل السماء كالكعبة لأهل الأرض ، كل يوم يدخُلُهُ سبعون ألف ملكٍ يصلون فيه ثم يخرجون ولا يعودون أبداً .



3 _ سدرة المنتهى : وهي شجرة عظيمة بها من الحسن ما لا يصفه أحد من خلق الله ، يغشاها فَراشٌ من ذهب ، وأصلها في السماء السادسة وتصل إلى السابعة ، ورءاها رسول الله في السماء السابعة .



4_ الجنة : وهي فوق السموات السبع فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ على قلب بشر مما أعدّه الله للمسلمين الأتقياء خاصة ، ولغيرهم ممن يدخل الجنة نعيم يشتركون فيه معهم .



5 _ العرش : وهو أعظم المخلوقات ، وحوله ملائكة لا يعلم عددهم إلا الله . وله قوائم كقوائم السرير يحمله أربعة من أعظم الملائكة ، ويوم القيامة يكونون ثمانية .



6_وصوله إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام :انفرد رسول الله عن جبريل بعد سدرة المنتهى حتى وصل إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام التي تنسخ بها الملائكة في صحفها من اللوح المحفوظ .



7_سماعه كلام الله تعالى الذاتي الأزلي الأبدي الذي لا يشبه كلام البشر.



8_رؤيته لله عزّ وجلّ بفؤاده لا بعينه : مما أكرم الله به نبيه في المعراج أن أزال عن قلبه الحجاب المعنوي ،فرأى الله بفؤاده ، أي جعل الله له قوة الرؤية في قلبه لا بعينه ، لأن الله لا يرى بالعين الفانية في الدنيا ، فقد قال الرسول :(( واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا )).
واعلم يا أخي المسلم أنَّ عقيدة المسلم أنّ الله تبارك وتعالى موجود بلا مكان فلا يجوز أن يعتقد أن الله تعالى موجود في مكان أو في كل الأمكنة أو أنه موجود في السماء بذاته أو جالس على العرش أو حال في الفضاء ، تعالى الله وتنـزه عن ذلك ، لقوله تعالى : ﴿ليس كمثله شىء وهو السميع البصير﴾ . واحذروا كلام ابن تيمية الذي زعم ان الله بجهة فوق فشبه الله بخلقه والعياذ بالله

بعض المستفاد من رحلة الإسراء والمعراج

ويستوقفنا في أحداث الإسراء والمعراج عدة مواقف نذكر منها :

- بيان فضل رسولنا الكريم على سائر الرسل بهذه الرحلة المباركة وفي فترة كانت شديدة على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تلك الفترة التي كان يجابه فيها تكذيب قومه له فكانت هذه الرحلة تحديًا لقريش وتأكيدًا لنبوته وصدق رسول الله- صلى الله عليه سلم- إذ بمجرد أن ذكر رسول الله خبر هذه الرحلة كذَّبت قريش ذلك فأقام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الحجةَ عليهم وأنبأهم بوصف المسجد الأقصى وبعيرهم التي رآها في الطريق.

مكانة المصطفى- صلى الله عليه وسلم-: فهذا الحادث قد أوضح وبصورة واضحة جلية مكانة النبي- صلى الله عليه وسلم- ورقيه لمكانة لم يرقَ لها أحد بهذه المعجزة العالية، ورقى مرقى لم ترقَ إليه الرسل والأنبياء جميعًا، ونال منزلةً لن يحظى بمثلها أحد من أهل السموات والأرض. فهو خاتم وسيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم.

وكما قال سبحانه وتعالى تكريمًا لنبيه المصطفى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فالعبودية لله هي أرقى درجات الكمال الإنساني، قال العلماء: لو كان النبي- صلى الله عليه وسلم- اسم أشرف منه لسماه تلك الحالة، وقال القشيري: لمَّا رفعه الله إلى حضرته السنية، وأرقاه فوق الكواكب العلوية، ألزمه اسم العبودية تواضعًا للأمة.

كما أنَّ في إمامته- صلى الله عليه وسلم- للأنبياء أكبر دليلٍ على مكانته الرفيعة وعلى كونه خاتم الرسل والأنبياء وعلى دور الإسلام وأمته في الشهادة على الناس ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.

وبنظرةٍ أخرى ودرس آخر في أثر هذه المكانة السامقة والمعجزة الفريدة عليه، هل تغيَّر من خُلقه شيء؟؟ من تواضعه.. من أدبه.. من حسن معاشرته للناس.. من تفانيه في الوفاء لرسالته.. من رضائه بحاله التي كان عليها قبل الإسراء الرائع والمعراج الفريد، هل تعالى على أحدٍ من المسلمين؟؟ هل اختصَّ نفسه بشيء لم يحط به أحدًا من المسلمين؟؟ هل خاشن مَن يدعوهم إلى الإسلام؟؟. هل ركن إلى هذه المنزلة العالية والمكانة الرفيعة السامقة ولم يبذل ويضحي من أجل رسالته ودعوته؟

أعتقد أن أجابة هذه الأسئلة وغيرها واضحة جلية لكل ذي لب، فقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم برغم هذه المنزلة وتلك المكانة في قمةِ التواضع واللين في أيدي الجميع والأخذ بالأسباب وأعطى من نفسه وأهله أروع الأمثلة في البذل والتضحية.

2) الصبر والثبات: فقد أعطى- صلى الله عليه وسلم- أروع الأمثلة في صبره وثباته على الإيذاء من كفار قريش وجهالتهم عليه وما تضجر، بل صبر واحتسب.. كما صبر على فراق الأحبة الداعمين له أبو طالب وخديجة.

كما أن هذا الحادث الفريد كان اختبارًا لصبر وثبات وصدق المؤمنين، وتمحيصًا لصفِّهم وامتحانًا ليقينهم، ولثبوت العقيدة في وجدانهم، فالحدَث فوق مستوى العقول البشرية، يحتاج إلى مؤمن صادق الإيمان، لا يُزعزع من يقينه أشد الأحداث ولا أخطرها.. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾.

3) تنقية الصف: كما قلنا من قبل فإن الحدَث فوق مستوى العقول البشرية؛ لذلك نجد أن الإسراء والمعراج امتحانًا للمسلمين وتنقيةً للصف؛ استعدادًا لما هو آت.. فقد فُتِن بعض الذي أسلموا وارتدَّ مَن ارتد!

يقول الإمام "ابن كثير" فيما رواه عن "قتادة": "انصرف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى مكةَ فأصبح يخبر قريشًا بذلك، فذكر أنه كذبَه أكثرُ الناس، وارتدَّت طائفة بعد إسلامها، وبادر الصدِّيق إلى التصديق، وذكر أن الصدّيق سأله عن صفة بيت المقدس، وقال إنّي لأصدقه في خبر السماء بُكرةً وعشيًا، أفلا أصدقه في بيت المقدس، فيومئذٍ سُمي "أبو بكر الصديق".

فنجد أن الإسراء والمعراج حدث قُبَيلَ الهجرة إلى المدينة، وترك الديار والأهل والوطن؛ وتكوين دولة الإسلام؛ ليكون اختبارًا للمؤمنين وتدريبًا لهم على حسن الاستجابة لله عز وجل، فهي مرحلة جديدة، كلها جهاد وكفاح في سبيل الله، فهي مرحلة تحتاج إيمان ثابت إيمان لا تعبث به الدنيا ولا تزلزله الجبال إيمان قد استقام على حقيقة منهج الله عز وجل.

4) معية الله: فالله عز وجل أوضح لنبيه- صلى الله عليه وسلم- أنه معه وناصره ومعينه في أحلك الظروف وأنه لن يخزيه أبدًا، ففي ذات الرحلة وكنهها عناية ربانية عظيمة.. ومثال آخر على معية الله لنبيه حين طلبت قريش من النبي عليه الصلاة والسلام أن يصف لها بيت المقدس مع ملاحظة أنَّ رسول الله عليه الصلاة والسلام قد جاءه ليلاً ولم يكن قد رآه من قبل يقول عليه الصلاة والسلام: "فأصابني كربٌ لم أصب بمثله قط"، أي أن الأمر سيفضح أي النبي عليه الصلاة والسلام سوف يتهم بالكذب ولكن حاشا لله أن يترك نبيه ومصطفاه؛ يقول عليه الصلاة والسلام: فجلَّى الله لي بيت المقدس فصرت أنظر إليه وأصفه لهم باباً بابًا وموضعًا موضعًا.. ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾.

5) ثقة الجندي بقائده (موقف سيدنا أبوبكر): فقد كانت ثقة سيدنا أبو بكر في قائده ورسوله كبيرة وعظيمة بدرجةٍ لا تهزها أو تنال منها أي أحداث مهما عظمت، ففي هذا الموقف الذي ثبت فيه "أبوبكر" عندما كذَّب أهل مكة ما حدَّث به الرسول عن الإسراء لأعظم دليلٍ على هذه الثقة.

فقد ذهبوا إلى أبي بكر وقالوا له: أرأيت ما يقول صاحبك إنه يقول: إنه أُسري به إلى المسجد الأقصى، ونحن لو أردنا أن نذهب هناك لقطعنا مسيرة كذا وكذا، فما رأيك؟ قال أهو قال ذلك؟ قالوا: قال. قال: "أشهد إن كان قال ذلك فأنا أصدقه، إنا نصدقه في أعظم من ذلك، نصدقه في خبر السماء يأتيه وهو جالس بين ظهرانينا".

ولذلك كان هذا اللقب العظيم لقب الصديق على مَن يستحق، وأصبح في أرض الله لا يعرف بهذا اللقب بعد أنبياء الله إدريس ويوسف عليهما السلام إلا أبو بكر الصديق- رضي الله عنه.

6) الدعوة أولاً: فهنا درس لكل صاحبِ هَمٍّ لكل صاحب قلب مكلوم ألا يلتفت قلبه إلا إلى الله عز وجل، فقد كان رسول الله- عليه الصلاة والسلام- يحمل هم الدنيا كلها ويحمل أمانة تنوء بها الجبال، ماتت زوجه خديجة التي كان يأوي إليها عند تعبه، مات عمه أبو طالب الذي كان يحميه كان يبحث عن رجال صُدق يعينونه في تبليغ أمر دعوة الله عز وجل ذهب إلى ثقيف ولكنها ردته ردًّا سيئًا وأغرت به السفهاء فضربوه بالحجارة حتى أدمت قدميه الشريفتين لجأ النبي عليه الصلاة والسلام إلى حائط وأخذ يناجي رب العزة سبحانه: حتى إنه دعا بدعائه الشهير "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس.. إلهي أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى مَن تكلني إلى بعيدٍ يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري أعوذ بنور وجهك الذي أضاءت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل عليَّ غضبك أو أن تحل بي عقوبتك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله".

7) الدعوة إلى الله في كل الظروف: وهذا هو نهج الرسل والأنبياء لانشغالهم بدعوتهم وأنها تعيش في وجدانهم، ففي أشد فترات الحزن والأسي التي تعرَّض لها النبي- صلى الله عليه وسلم- حين ذهب إلى الطائف ليعرض نفسه عليهم، نجده يدعو الغلام إلى الله ويعود بمكسب كبير أن هدى الله به واحدًا.. وهذا يذكرنا بموقف سيدنا يوسف داخل السجن، إنها نفس الروح والعزيمة والإرادة التي يبثها أنبياء الله في الأرض ليقتدي بها الناس جميعًا.

إنها روح الإصرار على تبليغ الرسالة مهما كانت العقبات ومهما كان التسفيه والنيل من شخص ومكانة الداعية.

وفي هذا درس للدعاة إلى الله عز وجل أن يبلغوا أمانة الله تعالى رضي الناس أم غضبوا، فرسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: "ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس"، وإذا كان أنبياء الله عزَّ وجل يتهمون بالكذب والسحر والجنون فليس في ذلك غرابة بعد ذلك أن يتهم الدعاة إلى الله في واقعنا بالتطرف بالرجعية والتأخر.

8) وحدة رسالة الأنبياء: وأنهم جميعًا يدعون لدينٍ واحدٍ ورسالةٍ واحدةٍ وهي الإسلام، فالكل جاء بالتوحيد الخالص من عند الله عز وجل، الأنبياء إخوة ودينهم واحد: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:25].

وكان أكبر رمز لذلك صلاته إمامًا بالأنبياء في المسجد الأقصى، ولها دلالة أخرى، أنَّ النبوة والرسالة قد انقطعت فلا نبوة بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام ولا رسالة: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: من الآية 40).

9) مكانة الأقصى ودورنا تجاهه: يجب أن يشغل بالنا اليوم أحوال المسجد الأقصى، وكيف نستعيده مرة أخرى، نستعيد ما ضاع منا من أرض فلسطين بمختلف الطرق والوسائل، هذا هو الأمر الحتم والهمُّ الكبير، فهذا هو بدء الطريق، وكل من سار على الدرب وصل، هذه ذكرى من الذكريات كريمة، وآية من آيات الله عظيمة ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37).

فقضية فلسطين هي قضية المسلمين الأولى وجرحهم النازف من القلب ومنذ أكثر من نصف قرن من الزمان، والدليل القاطع على موقف العالم الغربي الظالم والمنحاز ضد قضايا المسلمين، والضارب عرض الحائط بكل المبادئ والقيم والشعارات التي يرفعها من حرية وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم جواز الاستيلاء على أرض الغير بالقوة، ورفض العنصرية، وحق الشعوب في الكفاح المسلح؛ من أجل إزالة الاحتلال عن أراضيها.. كل هذه المبادئ يتنكر لها الغرب، ويقف داعمًا الاحتلال الصهيوني الإرهابي، العنصري الاستيطاني الدموي لأرض فلسطين وبيت المقدس والمسجد الأقصى، واليوم يكشف الغرب مرةً أخرى عن حقيقة مشاعره نحو الإسلام والمسلمين ولعل ما يحدث في فلسطين ولبنان والعراق وافغانستان لخير دليل على ذلك.

10) دورنا تجاه المقدسات: لقد تأمل العلماء الربط في إسراء النبي- صلى الله عليه وسلم- من مكة البيت الحرام إلى بيت المقدس فذكروا أن المسجد الحرام بمكة المكرمة هو رمز للإسلام لدين الله عز وجل وبيت المقدس هو رمز لحال المسلمين.

فما يجري في تلك الأرض هي علامة صحوة المسلمين أو غفلتهم فالأقصى وأهله في رباط إلى يوم الدين، وبمقدار تفاعلنا وانشغالنا به يكون مقدار تقربنا إلى الله عز وجل أو بعدنا عنه. فالمسجد الأقصى لن يتحرر إلا على أيد متوضئة طاهرة كريمة، أما الأيدي التي يحمل أصحابها أفكارًا منحرفةً وعقائد فاسدة مثل هذه الأيدي لا يُبارك الله فيها وحاشا لله أن يكتب لها النصر والتأييد مصداقًا لقول النبي- عليه الصلاة والسلام-: "لتقاتلن اليهود فيختبئ اليهودي وراء الحجر أو الشجر فيقول الحجر والشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي ورائي تعال فاقتله".

11) الالتجاء إلى الله وقت الشدة: فها هو المصطفى- صلى الله عليه وسلم- يبرأ من حوله وقوته إلى حول الله قوته، وهذا دأب الأنبياء والصالحين والدعاة إذا ادلهمت بهم الخطوب أن يلجأوا إلى الله دون سواه ويطلبوا العون والمدد منه دون غيره. ويأتي حادث الإسراء والمعراج إيناسًا للمصطفى عليه الصلاة والسلام وترسيخًا لهذا المعنى في النفوس ليلجأ الدعاة إلى ربهم وقت الشدة.. فإذا أخلصوا توجههم وأخذوا من الأسباب المعينة- ماديةً ومعنويةً- فسيروا من آيات الله ما تقر به أعينهم.

12) البعد عن المعاصي: خارقة الإسراء والمعراج تضمنت فيما تضمنت مشاهد لألوان من الناس سيعذبون يوم القيامة، بسبب معاصٍ خطيرةٍ عكفوا عليها في دنياهم: من ذلك الرِّبا، والفواحش، إلى آخر ما هنالك.

وعاد المصطفى- صلَّى الله عليه وسلَّم- ينبئُ أصحابه والأمة كلها بهذا الذي رآه من صور مختلفة للعذاب الذي سيناله مقترفو هذه الآثام يوم القيامة، العاكفون على كثير من الموبقات التي حذَّر الله عزَّ وجلَّ منها، وفي هذا درس لنا للابتعاد عن هذه الموبقات. ووجب علينا أن نسأل أنفسنا في هذه المناسبة أين نحن من الوقوف في وجه الفواحش؟ أين نحن من الوقوف في وجه الطريق إلى هذه الفواحش؟ أين نحن من استثارة العوامل التي تدعو إلى هذه الفواحش؟ وما دورنا لمقاومة هذه الفواحش في نفوسنا ومن ثم في مجتمعاتنا.

إن ذكرى الإسراء والمعراج لها دلالاتها الاعتقادية والسلوكية والأخلاقية، والاحتفال بهذه الذكرى إنما يعني الالتزام بهذه المعتقدات، ومن ثم الانضباط الصادق بالسلوكيات المنبثقة عنه، وهكذا يكون صدق الاحتفال والاحتفاء بذكرى الإسراء والمعراج.

إننا لن نستطيع حصر الدروس المستفادة من الإسراء والمعراج في مقال أو عدة مقالات ولكنها إطلالة سريعة نُعذر بها إلى الله سبحانه وتعالى لنستفيد منها ونقدمها للأمة ودعاتها وشبابها ليقتدوا برسولهم- صلى الله عليه وسلم- في حياتهم العملية، ويتخذوا من الاحتفال ببعض المناسبات والإحداث الكبرى التي حدثت في سيرته نقطة انطلاق للتغير الإيجابي في حياتهم ولتذكر الأحداث واستخلاص العبر والدروس المستفادة منها لتضيء لنا الطريق.
ونختم بعرض إجمالي لما رآه المصطفي صلى الله عليه وسلم في إسرائه ومعراجه لنتدارسها ونعيها ونتسخلص منها العبر والعظات

من دروس الإسراء

ولقد كان الإسراء والمعراج امتحانًا للمسلمين وتنقيةً للصف، فحين أُعلن خبر الإسراء بين قريش فُتِن بعض الذي أسلموا وارتدّ مَن ارتد!! يقول الإمام "ابن كثير" فيما رواه عن "قتادة": "انصرف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى مكة فأصبح يخبر قريشًا بذلك، فذكر أنه كذبَه أكثرُ الناس، وارتدَّت طائفة بعد إسلامها، وبادر الصدِّيق إلى التصديق، وذكر أن الصدّيق سأله عن صفة بيت المقدس، وقال إنِّي لأصدقه في خبر السماء بُكرةً وعشيًا، أفلا أصدقه في بيت المقدس، فيومئذ سُمي "أبا بكر الصديق".

فالإسراء والمعراج حدث، وحدث غاية في روعته وفي إعجازه، ولكنها قدرة الله الذي لا يعجزه شيء في السماء ولا في الأرض، ومن دروس الإسراء والمعراج أنه اختبارٌ لصدق المؤمنين، وتمحيصٌ لصفِّهم وامتحانٌ ليقينهم، ولثبوت العقيدة في وجدانهم، فالحدَث فوق مستوى العقول البشرية، يحتاج إلى مؤمن صادق الإيمان، لا يُزعزع من يقينه أشدُّ الأحداث ولا أخطرها.

ولقد جاء الإسراء والمعراج قُبَيلَ الهجرة إلى المدينة، وترك الديار والأهل والوطن؛ ليكون اختبارًا للمؤمنين وتدريبًا لهم على حسن الاستجابة لله عز وجل، فهي مرحلة جديدة، كلها جهاد وكفاح في سبيل الله، يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات: 15).

حتمية الجهاد

لقد كان الإسراء والمعراج إعلانًا عالَميًّا بأن خاتَم الأنبياء والمرسلين- صلى الله عليه وسلم- هو نبي القبلتين وإمام المشرقَين والمغربَين، ووارِث الأنبياء قبله، وقدوة الأجيال بعده ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: 1).

ألا إنه أمر كبير وعجيب وخطير أن نتحدث عن الإسراء والمعراج ونكتبَ عنه، بينما أرض الإسراء والمعراج ومسرَى سيد الخلق- صلى الله عليه وسلم- ومصلاَّه بالأنبياء أسير، تحت سلطان اليهود، يفعلون بأهله الأعاجيب، يهدرون دماءهم، ويدمِّرون حياتَهم، ومشهد الآباء وهم يودعون الشهداء الأبرار من فلذات أكبادهم، وتبكي المنازل والشرفات وهي تشاهد موكب الشباب المؤمن محمولاً على أعناق الرجال إلى مثواه الأخير.

ألا إنَّ الأعجب من ذلك كله هو صمت العالم العربي والإسلامي وسكوته على هذه المجازر، وسكون الجميع سكون المقابر، وكأن الأمر لا يعني أحدًا، ألا إنَّه لأَمْرٌ كبير أن يموت الحِسُّ الإسلامي، وأن ينام وأن يغطَّ في النوم إلى هذا الحدِّ، ألاَ إنَّه لأَمر خطير أن تتجمَّد المشاعر، وأن تعيشَ الأمة العربية والإسلامية على الكثير من التفاهات، بل وتدمن عليها من خلافات في الرأي، واختلال في التوجه، صرفها عن الطريق الصحيح والهدف العظيم.

إن رسالة الإسلام الحنيف وإنَّ جهاد- النبي صلى الله عليه وسلم- وصحابته هي التي وهبت الحياة معناها الصحيح، وطعمها الأصيل، وما كان لأبناء هذا الدين العظيم أن يرضوا بالذل والهوان، ودستورهم الخالد يقرر ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: 8) ورسولُهم- صلى الله عليه وسلم- يقول: "مَنْ أَعْطَى الذِّلَةَ مِنْ نَفْسِهِ طَائعًا غَيْرَ مُكْرَهٍ فَلَيْسَ مِنِّي" (ضعيف جدًّا وِفْق تخريج الألباني).

إن الطريق الوحيد إلى المسجد الأقصى معروف، وأوضح من ضوء الشمس، وهو (الجهاد في سبيل الله) و(الاستشهاد من أجل إنقاذ الأمة)، والله عز وجل يقول: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: 39)، وإن الذين يجاهدون في سبيل الله وفي سبيل نصرة المظلوم، وفي سبيل ردِّ البغي والعدوان، والاحتلال والإجرام هم وحدهم الذين تُوهب لهم الحياة (احرص على الموت توهب لك الحياة)، أما الذين يخذلون من يستغيث بهم في الشدائد والنوازل، ولا يستجيبون لنداء المظلوم فهم الذين يخرجون من هذه الدنيا غير مأسوف عليهم من أحد ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ (الدخان: 29).

نحتفي اليوم بذكرى الإسراء والمعراج ونحن على يقين من جلالها، فليتبع هذا اليقين الاعتقاد الجازم والإخلاص في تنفيذ تعاليم هذا الحق، عبادات ومعاملات وسلوكًا، فإنه لو تحقق العمل والإخلاص فينا لاستطعنا- بفضل الله- أن ننجح في كل جوانب الحياة، وأن نغلق منافذ اليأس وأبواب الفشل والضياع.

إن مسئولية الأمة- حكامًا ومحكومين- في هذه الفترة غاية في الخطورة، وإنَّ بيت المقدس- قلب العالم الإسلامي- وما حوله يَئِنُّ اليومَ أنين المظلومين والضارعين من تدنيس أشدّ الناس عداوةً للذين آمنوا.. يجب أن يشغل بال المسلمين اليوم أحوال المسجد الأقصى، وكيف نستعيده مرةً أخرى، نستعيد ما ضاع منا من أرض فلسطين بكل الوسائل، وعلى أية صورة، هذا هو الأمر الحتم والهمُّ الكبير، فهذا هو بدء الطريق، وكل من سار على الدرب وصل، هذه ذكرى من الذكريات كريمة، وآية من آيات الله عظيمة ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37)، وإذا كانت قضية فلسطين هي قضية المسلمين الأولى وجرحهم النازف من القلب ومنذ أكثر من نصف قرن من الزمان، والدليل القاطع على موقف العالم الغربي الظالم والمنحاز ضد قضايا المسلمين، والضارب عرض الحائط بكل المبادئ والقيم والشعارات التي يرفعها من حرية وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم جواز الاستيلاء على أرض الغير بالقوة، ورفض العنصرية، وحق الشعوب في الكفاح المسلَّح؛ من أجل إزالة الاحتلال عن أراضيها.. كل هذه المبادئ يتنكَّر لها الغرب، ويقف داعمًا الاحتلال الصهيوني الإرهابي، العنصري الاستيطاني الدموي لأرض فلسطين وبيت المقدس والمسجد الأقصى، واليوم يكشف الغرب مرةً أخرى عن حقيقة مشاعره نحو الإسلام والمسلمين

من ثمرات الإسراء والمعراج

لم يرِد حديثٌ صحيح عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولا قولٌ صحيح لأحد الصحابة رضي الله عنهم يقول إن الإسراء والمعراج كان في شهر رجب، أقرَّ هذا الكلامَ خاتمةُ الحفَّاظ الحافظ بن حجر العسقلاني شارح البخاري، ولكنه قول اشتهر وقال به بعض أهل العلم ونُسِب إلى الإمام النووي؛ حيث اختاره في فتاواه، ومن هنا اشتُهر أن الإسراء والمعراج كان في شهر رجب، ومنهم من يقول إنه- أي الإسراء والمعراج- كان في السابع والعشرين من شهر ربيع الأول.

كما قلنا فإن العبرة من سرد أو عرض أي حدث تاريخي- ولا سيما في تاريخ الإسلام، وبالأخص فيما هو من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم- هي استخلاص العبرة الحقيقية وأخذ العظة والعبرة واستخلاص ما يكون رصيدًا لما هو آتٍ في مستقبلنا.
وتتجلى ثمرات الإسراء العظيمة وتزدهي ولا تخلَق ولا تتبدَّد، فكثيرة وعظيمة تلك الفوائد والثمرات التي نجنيها من ذكرى الإسراء والمعراج والتي منها:

أولاً: الأقصى محور ريادة الأمة الإسلامية

لقد انتهى الإسراء أفقيًّا ببيت الله المقدَّس في أرض فلسطين، ثم ابتدأت منه رحلة المعراج، فكان المسجد الأقصى محورَ الرحلة المباركة مكانًا ومحورَها مكانةً كما سيأتي، ومع الأسف الذي يندى له الجبين انشغل الناس بكل القضايا على صغرها وضعف أثرها ونسوا أو تناسوا أهم القضايا وأُولى القضايا قضية المسلمين الأولى في هذا العصر، وهي قضية فلسطين والقدس والمسجد الأقصى، الأرض المباركة، ولو لم يكن من ذكرى الإسراء والمعراج إلا تذكير الناس بالأقصى ومحاولة وضع الحلول العملية لاسترداده إلى ديار المسلمين لكفى.

ولعل من جلال أهمية هذا البيت المقدَّس أنه أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين، ثالث ثلاثةِ مساجد تشد إليها الرحال، والذي صلى إليه المسلمون مدةً طويلةً من الزمن، ربط الله سبحانه وتعالى بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، ولم يكن من ضرب العبث أن يعرج الله بنبيه من المسجد الأقصى إلى سدرة المنتهى دون أن يكون لهذا جدواه؛ حيث إن انتهاء الإسراء بالقدس في هذه الرحلة مقصودٌ، وابتداءَ المعراج به كذلك مقصودٌ فالعلاقة وثيقة بين المسجدين الحرام والأقصى.

فالمرور بالمسجد الأقصى كان مقصودًا، والصلاة بالأنبياء الذين استقبلوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في بيت المقدس، وأنه أمَّهم، كل هذا له معناه ودلالته، وهو أن القيادة قد انتقلت إلى أمة جديدة وإلى نبوة جديدة، إلى نبوة عالمية، ليست كالنبوات السابقة التي أرسل فيها كل نبي لقومه خاصة، هذه نبوة عامة خالدة لكل الناس، لكل العالمين، رحمة للعالمين، ولجميع الأقاليم ولسائر الأزمان، فهي الرسالة الدائمة إلى يوم القيامة، عموم هذه الرسالة وخلودها كان أمرًا لا بدَّ منه، وهذه الصلاة بالأنبياء تدل على هذا الأمر، والذهاب إلى المسجد الأقصى وإلى أرض النبوات القديمة، التي كان فيها إبراهيم، وإسحاق وموسى وعيسى إيذانٌ بانتقال القيادة.. القيادة انتقلت إلى الأمة الجديدة وإلى الرسالة العالمية الخالدة الجديدة.. أمة الإسلام أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

هذا الربط بين المسجدين المسجد الحرام والمسجد الأقصى يُشعر الإنسان المسلم أن لكلا المسجدين قدسيتَه، فهذا ابتدأ الإسراء منه وهذا انتهى الإسراء إليه، وكأن هذا يوحي بأن من فرَّط في المسجد الأقصى يوشك أن يفرِّط في المسجد الحرام، ولو فرَّط في منتهى الإسراء يمكن أن يفرِّط في مبتدئه، أراد الله- سبحانه وتعالى- أن يرتبط في وجدان المسلم هذان المسجدان، المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وأراد الله أن يثبت المسجد الأقصى بقوله الذي باركنا حوله، هكذا بهذا الوصف، وصفه بالبركة، وهذا قبل أن يوجد مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؛ لأن المسجد النبوي لم ينشأ إلا بعد الهجرة في المدينة، فأراد الله أن يوطد هذا المعنى ويثبته في عقول الأمة وقلوبها، حتى لا يفرِّطوا في أحد المسجدين.

ومن جميل شأن الأقصى أن له علاقةً وطيدة بفرضية الصلاة، فحينما فرضت الصلاة كان المسلمون يصلون إلى بيت المقدس، كان بيت المقدس قبلتهم ثلاث سنين في مكة وستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا في المدينة، صلوا إلى هذا المسجد.. إلى بيت المقدس، وبهذا كانت القدس هي المدينة الثالثة المعظمة في الإسلام بعد مكة والمدينة.

هكذا ينبغي أن يعي المسلمون أهمية القدس في تاريخهم وأهمية المسجد الأقصى في دينهم، وفي عقيدتهم وفي حياتهم، ومن أجل هذا حرِص المسلمون طوال التاريخ على أن يظل هذا المسجد بأيديهم.

وقد أراد الله تعالى أن يربط هذا المسجد بهذه الذكرى لنظل في كل عام كلما جاءت ذكرى الإسراء في أواخر رجب (أو ربيع الأول، أو حسبما اختلف المؤرخون في تحديد زمان الذكرى) ويحتفل بها المسلمون في كل مكان نتذكر هذا الأمر الجلل، هذه القضية الخطيرة، هذه القضية المقدسة.. قضيتنا الأولى.

فلا يمكن أيها الإخوة أن نفرِّط فيها، إذا كان اليهود قد حلموا بإقامة دولة واستطاعوا أن يحققوا حلمَهم، فعلينا أن نحلم نحن بأننا لا يمكن أن نفرط في مسجدنا، حتى وإن رأينا الواقع المرَّ يدفعنا إلى الاستسلام والهوان والانهزامية، فلا بد من أن نخلع ثوب الانهزامية ونحيا منتصرين.. مقاومين.

يجب أن نعتقد أن الله تبارك وتعالى معنا وأن الله ناصرنا وأنه مظهر دينه على الدين كله، وأنه ناصر الفئة المؤمنة، وكما روى الإمام أحمد والطبراني عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من جابههم إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، قالوا يا رسول الله وأين هم؟ قال ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس" فهذه هي العبرة الأولى من قصة الإسراء والمعراج.

الصلاة معراج المؤمنين

العبرة الثانية وهي عبرة باقية أيضًا ما دامت السموات والأرض، ألا وهي الصلاة؛ فقد فرضت الصلاة ليلة الإسراء والمعراج، وكأن المسجد الأقصى ووراثة الخيرية والشرف على العالمين هي جائزة الإسراء والصلاة هي جائزة المعراج.

لقد فرضت الصلاة على رسول الله وعلى الأمة الإسلامية في هذه الليلة ولو كان الوحي كفيلاً بتبليغها لرسول الله لنزل بها جبريل، ولكنها عبادة ذات فضل عظيم وشرف كبير لم تنل هذا الشرف عبادة قبلها، تلقاها خير البشر من رب العالمين، وهناك فُرِضت عليه هذه الصلوات الخمس، فكل العبادات فُرِضت على الأمة نزل بها جبريل إلى الأرض موحيًا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الصلاة فقد تلقَّى النبي صلى الله عليه وسلم أمر تكليفها بنفسه من ربه، ليس بينه وبينه ملك ولا نبي.

ففرضية الصلاة في الملأ الأعلى وفي هذه البقعة المباركة من ملكوت الله لهو دليل على أهمية هذه العبادة وهذه الفريضة أو هذا الركن من أركان الإسلام، فالصلاة لهذا معراج المؤمن يعرج إلى ربه كل يوم خمس مرات يسأله ويناجيه ويشكو إليه ويستعين به ويتوكل عليه.

ومن عجيب أمر الصلاة أنها العبادة الوحية في الإسلام التي لا تسقط بأي حال من الأحوال، لا يُسقطها عن المسلم إلا أحد أمرين: إما الجنون أو الموت، وأمر ثالث خاص بالنساء وهو نزول الدم، أما غير ذلك فلا يمنع من الصلاة مانع، وتؤدَّى في أي مكان وبأي كيفية، قائمًا أو قاعًا أو نائمًا أو على جنب، لا يُسقطُها أي عذر حتى مَن فقَد الطهورين الماء والتراب فله أن يصلي بلا وضوء وليس عليه إعادة على رأي من رأى ذلك من الفقهاء.

ومن عجيب شأن الصلاة أنها أول ما يحاسب عنه العبد فإن سلمت الصلاة وكانت قد أقيمت بخشوع وخضوع وأحسن المصلي إقامتها وركوعها وسجودها ووضوءها فما بعدها أيسر وأهون وأصلح، وإن فسدت أو لم تكن قد أديت الأداء الأوفى وأقيمت الإقامة المثلى فهذا نذير شرٍّ لصاحبها.

ومن عجيب شأنها أيضًا أنها الفريضة الوحيدة في الإسلام التي يُضرب عليها الأطفال وهم دون سن البلوغ؛ حيث يأمر الإسلام أولياء الأمور أن يعلموا أولادهم الصلاة وهم أبناء سبع، وأن يضربوهم عليها وهم أبناء عشر، فما أروَعَه من إسلام يرى ضرب الأولاد على الصلاة وهم في العاشرة من أعمارهم عبادةً وتطوعًا إلى الله!!

فالصلاة معراج روحي لكل مسلم، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عرج به إلى السموات العلا فلديك أخي المسلم معراج روحي تستطيع أن ترقى به ما شاء الله عز وجل، ألا وهو معراج الصلاة

الدرس الأول: الإسراء والمعراج رحلة إلهية

نحمد الله تبارك وتعالى، ونُصلي ونسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين، أما بعد.. فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

نحمد الله تبارك وتعالى على تهيئة هذه الفرصة التي اجتمعنا فيها لإحياء ذكرى جليلة ومحببة إلى القلوب، تلك هي ذكرى (الإسراء والمعراج) توافينا كل عام في مثل هذا الشهر الفاضل رجب الفرد، وهو شهر مبارك، أوقاته تشريفات ربانية، من كان محسنًا زاده الله إحسانًا فيه، ومن كان مُسيئًا فتح له باب القبول في هذا الشهر المبارك، في سَعَة وكرم.

ولن نتناول هنا الإسراء والمعراج بالشرح والتفصيل، فكلّكم تسمعون عنها، إنما هي نظرات سريعة، فالإسراء رحلة قام بها النبي- صلى الله عليه وسلم- من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والمعراج رحلة سماوية، قام بها- صلى الله عليه وسلم- من المسجد الأقصى إلى السموات العُلى.

الرحلتان كانتا في ليلة واحدة، وباشرهما الرسول الكريم كإنسان كامل، وقد أشار القرآن إلى القصة في سورة الإسراء، وبعضُ الناس يقف عند القِصَّة وقْفةَ تأمُّل أو تردُّد، فيسأل: هل تتفق القصة ونواميس الله في خلقه، فيكون هناك إنسان خُلق من لَحم ودم ويحتاج لكل مقومات المادية، ثم يصعد إلى السموات، مع أننا نعلم تخلخل الهواء في مكان معلوم، وفقدان "الأوكسجين" في نقطة معلومة؟ كنا نقول لهؤلاء هي قُدرة الله تعالى، وسعت كل شيء فهو أمر ممكن لا يستحيل على قدرته تعالى، ولكن.. هل أحطتم بكل العلم شاردِه وواردِه؟
الواقع أيها الإخوان أن العلم الحديث قد كشف تعليل ذلك في أن الإنسان فيه عنصر آخر غير عناصر المادة، ذلك هو العنصر النفساني، الذي يُطلق عليه عالم الروح والنفس، ولو كان العلم لم يصِل بعد لحقيقته، فإنه قد وصل إلى أن الروح لها من القدرة على الجسم ما تستطيع به أن تؤثر عليه وتحتجزه فتخضعه لقوانينها، لا لقوانين المادة، والواقع أن بعض الحوادث تفسر لنا ذلك، فهناك بعضٌ من صوفية الهند يستطيع أن يتحكَّم في جسمه بقوة روحه، ويمكث أسبوعًا، وعندنا التنويم المغناطيسي الذي يجعل الروح تسيطر على الجسم.

فالذي حدث في قصة (الإسراء والمعراج) أن الله تعالى أفَاضَ على نبيِّه الكريم قوةً روحيةً عُظمى، تحكمت في جسمه وسيطرت عليه، وليس معنى هذا أنه أُسري بالجسم دون الروح، وإنما أُسري بالروح والجسم، وبعض الناس يتساءلون: وما حكمة الإسراء والمعراج؟
وأعتقد أن الإسراء والمعراج مادة أساسية في منهاج التربية الإلهية، وذلك أن الله تعالى أعد رسوله الكريم ليكون سيد المربّين والمعلّمين، فلابد أن يكون بمنزلة من العلم تفوق أيَّ منزلة سواها من منازل البشر؛ ولهذا طاف الله به السموات ليكون إيمانُه رؤيةً ومشاهدةً، وليس إيمانًا نظريًّا، وهناك حكمة أخرى فيها سموّ القدر وجلال المنزلة، فالحق تبارك وتعالى قد فرض الصلاة على المسلمين ليلة الإسراء والمعراج، ولم يشأ فرضها عن طريق الوحي كغيرها من الفرائض، وإنما استدعى نبيه الكريم؛ ليبين للنَّاس أن الصلاة جليلة القدر، عظيمة المكانة، وأنها مادة أساسية في منهاج التربية الإسلامية، فهي نظافة ونشاط وصحة وعلم وأخلاق.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..

الدرس الثاني: الإسراء والمعراج عبرة وعظة

نحمد الله تبارك وتعالى..ونُصلي ونسلم على سيدنا "محمد" وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.

أظنكم قد أعلنتم أن حديث الثلاثاء سيكون في الإسراء والمعراج، وهو موضوع لا يُعالجه الإخوان كقصة، وإنما يُعالجونه كعبرة وعظة من جانب، وكدافع للعمل من جانب آخر وحسبنا فيه- كقصة- ما جاء به القرآن الكريم، أن الله تبارك وتعالى قال في الإسراء والمعراج: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء: 1).

ففي هذه الآية التصريح بالإسراء، ومن لطائفها ذكر المسجد الأقصى، مع أن المسجد الأقصى لم يكن مسجدًا اصطلاحًا، بل معبدًا، فإطلاق الله تعالى عليه مسجدًا فيه حافز للمسلمين ليفتحوا هذا المسجد، وليستولوا على هذه البقعة المباركة، ويناضلوا عنها، ويحافظوا عليها، حتى لا يخرج من أيديهم، وفيه بشارة بأنه سيكون مسجدًا، وأنه سيظل كذلك ولو كره الكافرون، وجزى الله تعالى ضيف مصر العظيم، سماحَة المُفتي الأكبر الحاج "أمين الحسيني"- رحمه الله تعالى- الذي تعرَّض لسفك دمه مرات كثيرة ليظل المسجد الأقصى مسجدًا، ولقد عرض عليه اليهود نصف مليون جنيه ليتنازل عن ثلاثة عشر مترًا في المسجد الأقصى، فأجاب في إيمان الواثق: "والله لو جمعتم مال اليهود في العالم ما تركت لكم نصف متر.

والواقع أنها معجزات الإسلام، وأسباب من أسباب الصيانة أن يُسخِّر اللهُ أمثال سماحة المفتي لمِثْل هذه المواقف العظيمة، وكما أشار الله- تبارك وتعالى- إلى الإسراء أشار إلى المعراج في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى* عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى* عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى* إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى* مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى* لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (النجم 13: 18).

والذي يعنينا من الإسراء والمعراج أن كثيرًا من الناس يزعُم أن الإسراء والمعراج مصادمةٌ للنواميس الكونية، فإن انتقال إنسان من مكان إلى مكان بينهما هذه المسافة البعيدة مُحال في العادة، ويا لَيتهم وقفوا عند هذا الحد، بل قالوا: إنه عَرج إلى السماء فكيف إذن يتنفس؟ وظلُّوا يتشككون فترات طويلة، وأسلافنا- رضي الله عنهم- لهم جواب، ولا يزالون يقولون به في مثل هذا الموضع: إنها معجزة خارقة للعادة، وقدرة الله تعالى صالحة، وذلك سنن للمؤمنين..﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ* الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ* فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (الانفطار:8)، بل نقول لهؤلاء المتشككين: تعالَوا نفكر قليلاً.. هل أدركتم سنن الكون جميعًا؟ إنكم تُقرون بأنكم لم تدركوا كل قوى الكون، ولم تُحيطوا علمًا بنواميس الطبيعة، فافرضوا هذا مما غاب عنكم علمه، ولم يصل إلى مدارككم فهمه ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (الإسراء: 85).

ولو استعرضتم تاريخ الكشوف العلمية لتذكرتم كيف قُوبل كل كشف منها بالجُحود والنُّكران، ثم نزل العقل الإنساني بعد ذلك على حُكْم الواقع بعد الإنكار والجحود، ونقول لهم كذلك: لقد أثبت العلم التجريبي الذي تعتمدون عليه أنَّ القوة النفسانية تستطيع أن تُؤثر في الأجسام المادية، فتنقلها من مكان إلى مكان، وترتفع بها عن سطح الأرض، فإذا استطاع الإنسان بقوته النفسانية أن يفعل ذلك، وأن يأتي بهذه الأعاجيب، فهل يكون بعيدًا على الله تعالى أن يمد نبيه بالقوة الروحانية التي استولت على جسمه الشريف، فصار الجسم روحانيًّا محضًا، فاخترق هذا الجسم الروحاني تلك المادة؛ لأنه خرج من نطاق المادة إلى نطاق الروحية، ورحم الله "شوقي" إذ يقول:

بِهِما سَرَيتَ مطهرين كِلاهما روحٌ وروحانيةٌ وضياء

وقالوا: إن موسى- عليه السلام- بعد أن انتهت معه فترة كلام العلي الأعلى، كان يسمع دبيب النملة من أربعة فراسخ! فما بالُكم به حالة التجلي، فكيف برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقد تجلَّى اللهُ تعالى عليه بالروحانية السابغة ما استطاع أن يخترق تلك الحُجُب المادية، فالروح في هذه الليلة هي صاحبة السيطرة على المعاني البدنية.

هذا وهناك نظرةٌ أخرى تعنينا، هي حكمة الإسراء والمعراج يسأل بعض الناس: ما الحكمة في الإسراء والمعراج؟، كان أسلافنا رضي الله عنهم يقولون في الرد على هذا: أراد الله أن يكرم نبيه صلى الله عليه وسلم فدعاه، فكشف له عن ملكوت السموات والأرض

ملك الملوك إذ وهب لا تسألَنَّ عن السبب

ونحن نقول: إن الإسراء والمعراج أمرٌ لازم لتكوينه صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى بعثه ليكونَ سيدَ المؤمنين، وأستاذ الأستاذين، وجعله النبع الصافي ومشرق النور، نور العلم والهداية للوجود، فـ(الدينامو) الذي يمد الدنيا بأسرها، يجب أن يشحن بأكبر قدر من العلم والإيمان وأقوى ما يكون العلم والإيمان إذ كان عن مشاهدة، لذا أطلعه الله على أسرار ملكوت السموات والأرض، ليكون من الموقنين، فآمن إيمان شهود، وعلم علم يقين.. ﴿وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النساء:113).

وإذا كان "إبراهيم"- عليه السلام- أراه الله ملكوتَ السموات والأرض، فإن الله تعالى أرى نبيه- صلى الله عليه وسلم- ذلك الملكوت ليكونَ من الموقنين، وبصورة أوقعَ وأتمَّ مما رأى إبراهيم؛ إذ كان- صلى الله عليه وسلم- خاتم النبيين، ومصدر الهداية لأهل الأرض أجمعين ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان:1) هذه واحدة..
الثانية: أنه قد فرضت في هذه الرحلة المباركة فريضة الصلاة، وذلك إعلانًا بعظيم منزلتها فقد أراد الله تعالى أن يشعره بعلو قدرها، فقررها من فوق سبع سموات؛ ليكون ذلك إيذانًا بقوتها وعظيم فضلها، وإلفاتًا لأنظار الناس بعلو شأنها، من أقامها فقد أقام الدين.

وهناك معنى ثالث للعبرة: هو أن الله تعالى كأنه قال لهذه الأمة: يا أيتها الأمة التي لم يرض لنبيها إلا مطالعة هذه العوالم تشريفًا للقدرة، لا تكوني في ذيل الأمم، ولا ترضي بالدون، ولكن إلى العلا دائمًا، ولا تظني أن التأسي بالنبي- صلى الله عليه وسلم- في شيء، بل في كل شيء..﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: 21).

واللَّهَ نسأل أن يعيدَ لهذه الأمة مجدَها وعزَّها، إنه تعالى أكرمُ مسئول، وأفضل مأمول، وصلَّى الله على سينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

ليست هناك تعليقات: